من المواطن: سعيد سيفاو المحروق
غوط الشعال- عمارة أبو جناح
الدور الثاني شقة رقم 4
هاتف 830570 طرابلس
إلى سيادة: العقيد معمر القذافي
قائد ثورة الفاتح من سبتمبر
طرابلس
منذ إعلانكم للنقاط الخمس في 1973 بما تحتويه من تعطيل كافة القوانين وحرق المكتبات و تصفية الحزبية – رغم أنه لم يوجد أي حزبيين في ذلك الوقت - ولا في العهد الملكي السابق- منذ ذلك الحين آثرت الانزواء و الانقطاع عن الكتابة التي بدأتها منذ 1962، نظرا لأنني كنت أدرك أنني لقمة سائغة اجتماعيا، حيث أنني يتيم من جهة الأم منذ 1960 ولا علاقة لي بأي أقارب لا من جهة الأب و لا من جهة الأم ولا علاقة لي بمسقط رأسي منذ ميلادي بجادو في 1946. حيث أنني لا أكاد أعرفها على الإطلاق إلا بما أقرأه في الكتب، فإذا أضفنا إلى ذلك "ندوة الفكر الثوري" التي أثيرت فيها في تصفية "الشعوبية" أي تصفية كل كاتب بربري، لأن الشعوبية لم تعرفها ليبيا كمصطلح تاريخي يدل على اتجاه سياسي في أي عصر منذ العصور العربية، لأن الشعوبية حركة فارسية محضة، لكن في تلك الندوة أثيرت لأول مرة في تاريخ المغرب رغم أنه لا يوجد هنا أي فارسي، و لأن الحركات السياسية في هذا المغرب كانت تقوم ولا زالت – على رفض الإسلام جملة وتفصيلا باعتباره دين قومي عربي خاص بالعرب وحدهم، لكن حيث أن الإسلام فرض بطريقة أو بأخرى ظننتم وظن سيادة بوزيد دوردة أن بعض البربر- ومنهم أنا- حين يقولون بالإسلام كغطاء للبربرية- رغم أنني عارِ من هذا الإسلام لأنني اكتفيت بالبربرية اللائكية. لقد كنت ذا ميول ثقافية بربرية محضة، مرة واحدة وللأبد، تحت أي ظرف من الظروف، وسوف أتوسع في هذه المسألة فيما بعد.
المهم منذ ذلك الإعلان ومنذ تلك الندوة والأسباب السالفة لم أكتب حرفا ولا جالست أحدا تقريبا إلا ما تمليه مقتضيات العمل أو الترفيه.
لكن في يوم من أيام أواخر أغسطس التقيت في فندق الشاطئ شخصا كنت أظنه مجرد كاتب، هذا علاوة على أنه يشكو لي دائما من مطاردة المباحث له لأنه يقيم في روسيا، هذا الشخص هو سيادة: إبراهيم الكوني، الذي يدعى في أوائل السبعينات شعوبي هو الآخر لأنه طارقي، فوجئت بسيادته بقوله لي أن عبد الرحمن يريدني أن أكتب في الموضوع. من هو عبد الرحمن ؟ سألته، وما هو الموضوع؟ قال : إنه: عبد الرحمن شلقم، قلت له لا أعرف شخصا بهذا الإسم، ثم ماهو الموضوع؟ قال إنه موضوع المغرب و المشرق في صحيفة الأسبوع السياسي.
رحت أبحث عن الصحيفة وقرأت موضوع سيادة شلقم. هذا موضوع وكلام لا يمكن أن يُكتب في بلد مثل ليبيا بحسن نية ولا يجرؤ على كتابته رئيس تحرير. هذا فخ.
في الليلة التالية التقيت بسيادة الكوني فأعاد علي طلب الكتابة حول الخرافة التي أدركت فورا أنها inspered article أي كلام منزل من فوق لجس نبض من هو يفرق بين مشرق الوطن العربي ومغربه، من هو الوحدوي العربي ومن هو الصهيوني البربري، من هو يسير مع خط الثورة الناصرية، ومن هو يسير مع خط بورقيبة والاستعمار.
لأنني بربري فأنا مغربي ، هذه مسألة يعرفها الكوني، ولكن كيف عرفها شلقم الذي لا أعرفه وهما كلاهما من أهل البيت و الدار، في حين أنني مجرد موظف قانون في شركة الواحة؟ كيف تذكرت المخابرات إسمي ؟ ولماذا؟
قلت للكوني سأكتب قصة في الموضوع، فكرر لي الإلحاح و كأنها مسألة تهمة. طبعا كما قلت يا سيادة العقيدة، منذ الوهلة الأولى أدركت أن كلام شلقم ليس بكلامه، إذا كنت مخطئا فبالله صححوني، إنها تعليمات منكم، شخصيا لا أحتاج لمعرفتها لمن يقول لي ذلك، فهذا التطرف في الكلام مثل "إدارة ظهورنا إلى المشرق و الاتجاه إلى ثقافة المغرب…الخ" هذا جس وفخ، لكن السبب الحقيقي في إحجامي عن الكتابة لا يكمن في خوفي من الوقوع في الفخ، السبب الحقيقي و الرئيسي هو اقتناعي أن المسألة مجرد فقاعة، ذلك لأن كلمة المغرب أو المغرب العربي و الوحدة المغربية كانت على الدوام ومنذ العهد الملكي الماضي وحتى عهد الثورة المضارع مجرد أكل هواء. إن ما حفزني على الكتابة في الموضوع بمقال تحت عنوانين: "لكي لا تصبح العروبة احتكارا مشرقيا أو شعوبية جديدة"، ليس إلحاح الكوني ولكن عدداً يحتوي على عدد من الردود على "رئيس التحرير" أي على سيادتكم، وليس أيضا الرد الرئيسي لسيادة (أبو أو أبي) زيد دورده، ولكن ماكتبه شخص أعرفه جيدا لا أحب أن أسمي إسمه، تماما مثلما فعلت في مقالي الذي اقتصرت فيه على تناول مقال سيادة أبي زيد و تجاهلت الشخص المعني، بسبب أن هذا الشخص كان في أوائل الستينات ولدافع ما كان يراسلني وهو في بنغازي باللغة البربرية، وبعد أن انتهت مصلحته من بعد لم يعد يراسلني ولم تعد لي به علاقة ما، ثم قبيل 1-9-69 مباشرة كان يردد بسذاجة، حلمه في أن الملك قال له في المنام : تعالى يا ……. تعالى" ..! ثم اكتشفت أنه قد دار180 درجة، وأصبح ثوريا عربيا قوميا…الخ.
لكن بعد ظهور مقالي المذكور:*( عن الاستلاب التاريخي - لكي لا تصبح العروبة إحتكاراً مشرقياً أو شعوبية جديدة ) فوجئت بأن أحدا لم يرد علي في العدد التالي، بل ظهر عنوان في الصفحة الأولى: "الآن فهمنا ما تريد" وهذا يعني أن الموضوع لم يعد مطروحا للنقاش. و كما قلت سابقا فمنذ حملة النقاط الخمس على حرق المكتبات و سجن حزبيين وهميين، لم تعد لي أية علاقة بأي صحيفة و اعتبرت أن الأدب والثقافة يسيران في اتجاه ليس مني ولست منه، خصوصا وأنني في عام *1972كنت موظفا في *شركة الواحة النفطية، وكنت أكتب في نفس الوقت في صحيفة اسمها "اليوم"، وفي أحد أيام ذلك العام الذي كان سابقا لحملة التطهير لم تعجب مقالتي أحد موظفي تلك الإدارة. لا أحب أن أذكر إسمه- فعرضها على سيادة: بشير هوادي و استدعيا أحد مسؤولي الجريدة ليلفتا انتباهه بأن مقالاتي "تنظير للشيوعية"، وأنني لا يحق لي أن أشتغل في الإدارة المذكورة وأن أكتب في صحف أخرى في نفس الوقت.
كانت العقوبة في ذلك الوقت أن أحلت على التقاعد، وأنا لم أتجاوز الرابعة والعشرين عاما من عمري بدعوى أنني شيوعي، وفي نفس الوقت لأنه لا يجوز لي ممارسة عملين، رغم أن عملي ككاتب لم أكن أتقاضى عنه درهما واحدا.
لكن علاقتي الجديدة بمؤسسة الصحافة وبصحيفتي "الأسبوع الثقافي" و "الأسبوع السياسي" التي يرأس تحريرها سيادة عبد الرحمن شلقم، أوهمتني بأن الطقس قد تغير، وفي إحدى الأمسيات كنت في مبنى الصحافة فأخبرني أحد الموظفين بأن القيادة اتصلت بالمؤسسة سائلة عمن يوجد من الكتاب؟ وأن الإجابة كانت بأن سيادتكم على وشك المجئ للمؤسسة وأنه علي الانتظار وعدم مغادرة المؤسسة.
آمل أن تتذكروا ذلك اللقاء، لقد كان يضم سيادتكم وسيادة مجموعة من الأشخاص ذكورا وإناث : سيادة محمد بلقاسم الزوي وسيادة إبراهيم بجاد وسيادة فوزية شلابي وبنتا أخرى لا أدري إن كانت ما زالت تتمتع بالسيادة أم لا : سعاد الوحيدي. ولقد سألتني سيادتكم إن كنت من "محاريق جادو" فأجبت نعم، وأنني أول من استخدم هذا اللقب، كما أنه لا علاقة لي بجادو ولا بمحاريقها، ثم سألتموني السؤال الذي لم يكن مفاجئا : "هل أنت ممن يقولون بأن البربر عرب أم أنني أتبع نظريات الاستعمار الذي يقول أن البربر أوروبيين؟" وحيث أنني قصير العمر ولم أشاهد البربر وهم يعبرون أوروبا أو البحر الأحمر، وحيث أن اهتمامي الأساسي منذ 1962 باللغة والثقافة البربرية فأجبتكم بجواب لم أكذب فيه على نفسي ولا عليكم، قلت لكم : "إن نسبة كبيرة جدا من القاموس العربي دخل جميع اللهجات البربرية" ولم أفاجأ أيضا بمعرفتكم ببعض معارفي من الكتاب مثل سؤالكم عن مسكين يدعى الجيلاني طريبشان، و"أنه لا يكتب إلا وهو مخمور" .. قلت هذه بسيطة ليس فيها سياسة، لكن حين سألتم عن سيادة إبراهيم الكوني إن كان لا يزال شيوعيا وأنه يكتب عن "المجتمع التارقي"، لم يغب عني كون أن هذا تحقيق معي أيضا فتبرعت بالإجابة بأنه "يكتب عن الطوارق لأنه عاش في الصحراء ولم يعش في مدينة طرابلس" وأعترف الآن أنني كنت مغفلا، إذ لم أكن أدري أن سيادة الكوني من أهل الدار، لأن معرفتي بسيادته كانت في عام 70 و 71 قبل أن يدخل الدار من أبوابها…لقد كنت مغفلا بالفعل في سيادة الكوني ولا أزال أذكر آخر كلماتكم التي وجهتموها لي حين قلتم لي : "على كل حال كل واحد يعرف كيف يدافع عن مصلحته" !.
يا أرباب السماوات ! أنا الموظف الصغير في إحدى الشركات أقف في نفس القامة معكم، وسيادتكم تملكون الأرض والسماء، هناك إذن مصالح متعارضة، هناك تصفية حسابات !
لقد حسمتم الأمر مسبقا بعد ذلك اللقاء بأسابيع حدث لي لأول مرة في حياتي ما يأتي :
1. بعد أن انتهى الحوار المفتعل حول ليبيا كجزء من المغرب فوجئت بالشخص إياه الذي كان يكاتبني بالبربرية، والذي أصبح سنوسيا يحلم بالملك ثم لف فجأة بعد 1-9-1969، فوجئت بهذا الشخص يكتب ضدي مقالة (قوادة). لكنني أدركت أيضا أنه تولى كتابة هذه المقالة نيابة وليس أصالة، فقط عملا بالقول المأثور: "اضربه بيده"، حيث أن هذا الشخص محسوب على: "جبالى باهي"، خير مني أنا: "الجبالي اللي مشى باهي". فكتبت ردا بعنوان "هل يصبح العقيد مواطنا مضطهدا؟" لإيماني بأن من يضطهد شخصا لابد أن يعاني الاضطهاد، فهل صدقت أم كذبت؟.
2. بعدئذ بوقت وجيز وأظنه في شتاء 1978 خرجت من منزلي ليلا في سيارة يقودها شخص آخر- وهذا هو الخطأ- متجها إلى قرية السراج حيث يسكن زميل لي في كلية الحقوق، ثم أصبح شرطي. وأمام منزل هذا الشرطي بقيت في السيارة في حين ذهب صاحب السيارة لينادي الشخص المقصود، لكنني –وكنت ملتحفا ببرنس- لمحت من طرف عيني سيارة "بيجو"، تتقدم ثم تأخرت مختفية عن نظري، هذه إذن ملاحقة، أسرعت أنادي السائق ليرجع للسيارة لأن هناك مطاردة، أشرت عليه أن يبحث عن البيجو في الأزقة لكن الأرض كانت قد ابتلعت السيارة، فاشرت على صاحب السيارة أن نعود من نفس الطريق التي أتينا منها لأن الملاحقة مستمرة، في خلال الطريق نظرت خلفي فلم أشاهد ضوء السيارة، لكنني كنت متأكدا من المتابعة أدرت في اتجاهي المرآة العاكسة Screen، هنا لمحت القمر يسطع من زجاج سيارة تسير بدون ضوء خلفنا، لكن السائق الأحمق بدل أن يقف أو يناور للقبض على السيارة المجهولة الملاحقة تصرف بحماقة وداس على البنزين مما أعطى لا شك انطباعا بالهروب من المطاردة، كان الخطأ في أنني لم أخرج بسيارتي، لأنني لو فعلت ذلك، فأنا متأكد أن الأمر سيكون محسوما خاصة إذا لم يخرج لي أحد في البيجو بطاقة هوية مباحثية أو مخابرتية.
لقد أصبحت أكثر يقينا أنه لا مغرب ولا مشرق ولا بطيخ إنها مناورة مفخخة، الشيطان وحده أعلم بعواقبها.
3. هذه المطاردات المخابرتية لم أكن عرضة لها في حياتي قط، رغم أنني بدأت الكتابة وبدأ تكوين وعيي الثقافي والسياسي منذ 1962، كنت أدرك منذ العهد الملكي السابق أن أفضل السبل لتفادي أفخاخ الوقوع في قبضة التهم الملفقة هو البقاء في دائرة الضوء أمام سمع وبصر السلطات الحاكمة الحقيقية : المباحث، لهذا السبب فإن أوقات فراغي كنت أقضيها طوال السبعينات في فندق الشاطئ، هذه حقيقة تعرفها جميع الأجهزة الأمنية التي ازدهرت بعد ثورتكم المجيدة، وهكذا ففي ربيع 1978، أي بعد فترة من المطاردة السابقة في قرية السراج، كنت ساهرا في إحدى الليالي في فندق الشاطئ مع جماعة من الكتاب أو ممن كنت أظن أنهم فعلا كتابا، وكان بينهم سيادة إبراهيم الكوني إياه، وفي الثانية والنصف ليلا انفض السهر، وكان علي كما هي عادتي أن أوصل سيادة الكوني إلى منزله الكائن أمام السجن المركزي بالضبط، ولم أكن أرى في ذلك بأسا. حين وصلت إلى باب عمارة سيادة الكوني ودعته وشرعت في إشغال الإشارة الضوئية يمينا للاتجاه غربا إلى منزلي في غوط الشمال حيث لا أزال أقيم.
ما أن اختفى سيادة الكوني في عمارته حتى قابلتني في قبالة الزقاق سيارة فولكس فاجن بيضاء حاولت أن أشق طريقي ، لكن السيارة الفولكس وقفت لي بالمرصاد وترجل منها شخص أخذ يكيل لي الشتائم ويلوح بمسدس في يده، لم يخطر لي هذه المرة أن السيارة تابعة للمخابرات لأن عهدي بالمخابرات يراقبون بشكل سري ولا يشهرون السلاح علنا في وجه الشعب، كنت أظن أن المسألة مجرد مخمورين وقفوا في طريقي، وهكذا حاولت أن أشق طريقي متفاديا إصابة الشخص الذي ترجل على قدميه ممسكا بالسلاح، وبالفعل تمكنت من المرور بالكاد متجها إلى الانضباط العسكري أمام سجن الحصان الأسود حيث قلت لهم أن مخمورين وقفوا لي بالمرصاد، وأنا في طريقي إلى منزلي. لكن السيارة الفولكس فوجئت بها لا تلوذ بالفرار بل تتجه صوبي أمام رجال الانضباط حيث ترجل منها الشخص الذي لا يزال ممسكا بمسدسه أمام مسمع ومرآى من حراس السجن، وقال لي ببساطة أنه رآني ألف حول السجن مرتين.. المخابرات لا زالت ورائي إذن منذ حادثة السراج. قلت له أنني قادم من فندق الشاطئ، لكن هذا كان خطأ لأنه كان يجب علي أن أستعمل سكيني وأن أذبح ربه قبل أن يذبحني، فتشت عن سكيني الذي اعتدت أن أحمله منذ طفولتي فلم أجده، وهذا هو ما أدى بهذه الحشرة لأن يجعلني أقسم بالطلاق فأقسمت ما دام في ذلك حل، فكيف رد علي هذا الوغد العنصري؟ قال : أنت جبالي والجبالية لا يقسمون بالطلاق… هذه هي كارثة ذلك اليوم الأسود الذي نكبت فيه بلاد المغرب بالاستعمار الإسلامي، إن أربعة عشر قرنا من الذل والإبادة الجسدية واللغوية والدينية لم تنته بعد. فقلت لهذا الوغد ما دمت لم أستطع أن أرد عليه ردا بربريا حقيقيا بأنني أوصلت شخصا إلى منزله وأنا في طريقي إلى شقتي. فقال لي إذهب وأحضره معك، قلت له خذ إذن مفتاح السيارة، قال لا دعه معك، أسرعت إلى سيادة الكوني الذي لم يخرج معي لإخوانه من المخابرات إلا بالكاد وقال لهم أنه سيكلم سيد قذاف الدم - لم أكن أعلم أن الكوني على علاقة بأمثال هؤلاء الآلهة – هنا أدخلوني إلى السجن بعد أن أخذوا أوراق السيارة والبطاقة الشخصية وقالوا لسيادة الكوني إذهب ونم في منزلك.
في الصباح- حوالي العاشرة- نودي علي بعد أن قضيت الليل في زنزانة مع حشاش مصري، وأقتدوني إلى مكان لم أعرفه من قبل، بصحبة أحد رجال الأمن وأدخلوني إلى شخص لم أكن أعرف أو أسمع باسمه : سيادة عبد الله السنوسي الذي قال لي : خذ أوراقك، وقل ثورة والا مش ثورة، لكن إياك أن تقترب من منشآتنا العسكرية.
المسألة إذن هي جبالي ومش جبالي، رغم أنني مش جبالي لكن بربري فقط، أنا لست حتى مسلما بربريا، أنا بربري فقط ، البربرية هي ديانتي .. أما الثوري .. فالبربري لا يمكنه أن يكون إلا ثوريا.
أنا أول من كتب عن ثورتكم بعد انقضاء فترة الطوارئ أي في نفس شهر سبتمبر 1969 مقالة بعنوان "ثورة وليس انقلابا" في جريدة الميدان، وفي جريدة الميدان نفسها – وأنا أعرف أنها جريدة كانت في طريقها للاختفاء أو التدمير- في نفس الجريدة كتبت في الأيام الأولى لثورتكم المجيدة مقالة بعنوان "انتهت مرحلة التأييد وجاءت مرحلة التقييم" وأشرت فيها صراحة متسائلا : "إذا كان أساس القومية العربية الجنس فماذا نفعل بالبربر في ليبيا؟".
هل هناك شخص أوضح مني في مسألة البربرية في هذه الجماهيرية العظمى؟
لكن يبدو أن الاستخبارات والمخابرات والمباحث والمباحثات… الخ، مثل الله … تماما مثل الله تمهل لكن لا تهمل، القضية برمتها ليست حوارا، من يملك السجن وسيارات المداهمة والقوة والافتراء لا يضيع وقته في الحوار، إنه عصر التصفية جسديا ومعنويا.
بقية البربرية التي سلمت من نيران الإسلام القديم لا بد من إحراقها في جحيم الإسلام العربي الجديد، إذ أنني في اليوم التالي عدت إلى فندق الشاطئ حيث وجدت جليساً قديما وضابطا معروفا في المخابرات ورويت له قصتي فإذا به يعطيني سببا آخر: وهو انني جبالي وسبق أن هرب من السجن جبالي آخر وهو إبن الشيخ علي معمر. هذا الضابط هو المعروف باسم: محمد الرحيبي، ولقد تساءلت : وما علاقتي بالشيخ علي معمر وأولاده، هؤلاء مسلمون أو إسلاميون أباضية، أما أنا فما علاقتي بالإسلام بالمرة؟ والإخوان المسلمون هم أول دعاة القومية العربية، وليس صحيحا أنهم أمميون وهذا هو سبب حساسيتي البالغة من الإسلام منذ عام 1965 حين اعتنقت الداروينية، فما علاقتي بالأساطير الإسلامية العربية التي تقول أن الله خلق آدم كاملا ثم خلق من ضلعه زوجته حواء وأن كائنا خرافيا إسمه الشيطان غرر بهما فأكلا تفاحة محرمة حيث غضب الله وأخرجهما من الجنة…هذه الأساطير وأمثالها المأخوذة من سفرالتكوين أو المتوارثة في الميثولوجيا السامية الأقدم عهدا من التوراة أجد استحالة مطلقة في الإيمان بها، قد تفيد للتسلية، أما أن تكون علما فلا.
إن ما كتبته جهارا نهارا في إحدى صحف الدولة بعد طلب الجهات المعنية هو السبب في كل ما حصل من ملاحقات، ثم أن هناك المئات من هو الجبالية يمرون يوميا وفي مختلف الأوقات أمام السجن ولم يعاملوا هذه المعاملة وأنا شخصيا مررت من قبل مئات المرات من هناك، ولم يحدث لي ما حدث هذه المرة، إن السبب الحقيقي يا سيادة القائد هو "كل واحد يعرف كيف يدافع عن مصلحته" في لقائي بكم الوحيد بعد استدراجي للكتابة في الموضوع إياه.
4. بعد إنذار سيادة ضابط المخابرات: عبد الله السنوسي لي بأن " قل ثورة والا مش ثورة، لكن إياك أن تقترب من منشآتنا العسكرية" أصبحت أخشى من تلفيق أي شيء ضدي في أي مكان فطرابلس كلها منشآت عسكرية، فندق الشاطئ نفسه منشأة للاستخبارات والمباحث وغيرها من الأسماء التي لا أعرفها، والأدهى من كل ذلك أن "اللجان الثورية " التي بدأت بمقالة من سيادة: شلقم في شكل تنادِ عفوي، مثل " تنادت جهة كذا وشكلت لجنة" .. ليست تناديا ولا عفويا ولا بريئا ولا ثوريا، مجموعة من الأفاقيين والغلمان والطلاب الفاشلين والقوادين، ثم تحولوا إلى لجان للتصفية (الآن أصبحوا ثرويين وأصحاب ملايين، حان الأوان أن يعودوا إلى رياض الأطفال وإلا فإن الكارثة آتية ولو بعد عشرات السنين).
إن المباحث والاستخبارات أجهزة موجودة حتى في الدول الديمقراطية، وهذه لم أكن أخشاها إطلاقا لأنني لم أمارس عملا سريا بالإضافة إلى أن تقاريرها في الستينات وأوائل السبعينات جزء من واجبها، ورجل المباحث قد يطمح إلى رتبة من شاويش إلى بكباشي كما كانوا يسمون بالتركية التي لا أعرف معناها، ومن رائد إلى مقدم بالعربية الأشد غموضا، كيف يكون المقدم أعلى من الرائد مثلا؟ وما معنى أن يكون العقيد أعلى من الجميع وهي كلمة لا تقل غموضا، هذه مسألة لغوية لا تهمني هنا، ما يهمني هو أن الأجهزة الرسمية المنظمة يمكن تحملها على مضض لأن طموحها ضئيل، لكن الكارثة أن يتحول الشعب بأكمله إلى مخبرين في شكل ثوريين، (رابطة الكتاب والأدباء هل هي فعلا كذلك، هذه جهاز من القوادين أكثر بشاعة منه في معاملته لي وأنا ربع آدمي من كلمات العميل الذي أوقفني أمام منزل سيادة الكوني وأنا آدمي كامل لم أصفى جسديا بعد، وهل هناك أكثر بشاعة من جهاز القضاء في التستر على محاولتين لقتلي نهائيا في عام 1983 وعام 1986؟ لقد كتبت مذكرة بذلك واتصلت في مارس 1988 بسيادة: إبراهيم بجاد، لتسليمها لكم لكنه أشار علي بالذهاب إلى سيادة أخرى تدعى: عزالدين الهنشيري، هذه المذكرة تربو على مائة صفحة ومستندات لأخذ حقوقي من الفاعلين فإذا بي أكتشف أن القاضي هو الخصم، لكنني لم أكن أتصور أن تصل إلى الحد الذي لم يصل إليه أي نظام فاشي في العالم.
وهكذا وفي خريف 1978 أصبحت أفكر في الهجرة نهائيا لكن إلى أين؟ وفي نهاية السنة فوجئت بأنني مطلوب للتجنيد الإجباري أو ما يقال عنه بالتدريب العسكري الإلزامي وهذا يعني أنني سأكون في قلب المنشآت العسكرية، وتفاديا للاقتراب من المنشآت العسكرية، عملا بتهديد هذا السنوسي، (( بالمناسبة : حين كنت أمارس الثورة علنا في القاهرة لم يكن هذا السنوسي يجرؤ على نطق هذه الكلمة، في أعقاب 1967، اجتمعنا نحن الطلبة الليبيين في نادي وكنت أخطب في الجمع منددا بذلك العهد في مناسبة أصبحت منسية الآن، وفي اليوم التالي كان إسمي في قائمة من الطلبة الذين أوقفت عنهم المنحة الدراسية، وقال لي المستشار السياسي للسفارة سيادة: خليفة المنتصر، أنه ستقطع عني المنحة الدراسية إذا لم أوقع على نموذج جاهز بالولاء للملك لأنه كما أدعى كان مختفيا في زي بواب العمارة، ثم لوح لي بمسدس موضوع في مكتبه، لكنني فضلت قطع المنحة عن التوقيع وعدت إلى ليبيا والتحقت بكلية الحقوق وتركت دراسة الطب في القاهرة، في ذلك الحين أين كان السنوسي أو غيره بل إنني أتحدى أي ضابط أو جندي قام بمثل ما قمت به، راجعوا ملفات المباحث)).إزاء ذلك الوضع فضلت الابتعاد عن المعسكرات بانتدابي لمؤسسة الصحافة.
وفي يوم من أيام بداية عام 1979 قيل لي أنني في غيبوبة لمدة شهرين تقريبا. وحين تساءلت أين أنا؟ قيل لي أنني في مستشفى: "ريتسولي"، في بولونيا بايطاليا، وأنني ربع حي مشلول لأن سيارة دهستني أثناء عودتي من عملي ليلا أمام صيدلية النجمة في طريقي إلى شقتي التي لا زلت أقطنها حتى الآن. لم أعلم بمكان الحادث وسببه إلا عن طريق شخص يقال له: أحمد إبراهيم الفقيه، بعد عدة شهور حين كلمني هاتفيا حيث قال إننا كنا معا عائدين من مؤسسة الصحافة وتذكرت دواء لابني لكن سيارة داهمتني بعد أن اجتازت الرصيف الفاصل في الطريق المزدوج.
أما بقية الزوار فقالوا إنه من عمل المخابرات، وسواء كان من عمل المخابرات أو غيرها فلقد تم اللعب، كسر في العمود الفقري وكسر في الرأس وكسر في ذراع اليد اليسرى بل هو تهشيم لم يتم تجبيره إلا بمعدن يصل بين الذراع والكتف وتهشيم آخر في الفخذ اليسري ولقد تم معالجة بعض الأضرار الجسدية، أما العمود الفقري فلم تجرى عليه عملية وإنما أحلت إلى مركز تأهيل بأمر المكتب الصحي في حين أن إصابة العمود الفقري لا تحتمل الانتظار أكثر من شهر، وقد حاولت المستحيل من أجل الاتصال بهذا المكتب ولم تجر لي العملية في: بيزا، إلا بعد قرابة عام وكانت النتيجة أن ليس هناك قطع عضوي في النخاع الشوكي، لكن بفوات الوقت، أصبح هناك قطع وظيفي علاوة على المضاعفات والآلام المبرحة التي لا زلت أعاني منها حتى هذه اللحظة، وحيث أن العلاج لم يفدني في إيطاليا وقد بقيت طريح الفراش منذ مداهمتي في 21-02-1979 ، حاولت تجريب حظي في يوغسلافيا، لكنني منذ اليوم الأول قررت العودة إلى طرابلس حيث لم أبق في إحدى مستشفيات بلغراد إلا بعض الأيام وعدت إلى طرابلس في أبريل 1980 * كما تفيد شهادة مستشفى 11 يوليوز لقطاع النفط الذي أقمت فيه بفضل جهود الدكتور: أحمد البشتى، رئيس قسم الطب في شركة الواحة حيث كان مقررا أن أبقى هناك لمدة أسبوع فقط لكنني بقيت فيه حتى بداية 1981* وهنا يجب أن أعترف بجميل الأخ: محمد بلقاسم الزوي، الذي سهل لي الإقامة.
وبسبب غياب والدتي عن الحياة منذ 1960 ، وبسبب أن زوجتي منعوها من نقلي إلى بيتي بحجة أو بأخرى، هنا أحسست أن عدوا أشنع أصبح لي بالمرصاد : شماتة أقرب الأقارب خاصة وأنني لا أخ ولا أخت ولا شقيقا أو شقيقة، هذه الشماتة سببت لي من الكوارث ما تمنيت لو أن المداهمة كانت تامة : الموت.
في المستشفى المذكور سمعت أن شيئا إسمه" حزب البربر قد قبض عليه، قلت أن هذا شئ طبيعي في بلد تعد فيه الحزبية جريمة، ولم يخطر في بالي إطلاقا أن يكون إسمي مدرجا في هذا الحزب، كما استغربت أن يكون هناك حزب بهذه الصفة، أنا لم أولد في السويد أو سويسرا والذي أعرفه منذ نمو هويتي البربرية عام 1962 أن الجبالية والزوارية أو غيرهم من الليبيين موزعين بين ميول بعثية أو قومية أو ناصرية، لكن لم يوجد إطلاقا حتى ساعة مداهمتي في 21-2-79 فئة أو طبقة ذات منزع بربري، أما أنا فكما سبق القول فقد كان موقفي مدونا بخط يدي في جريدة الميدان، كنت قلقا على انقراض اللغة البربرية ولا أزال، ولقد كتبت عشرات المقالات في هذا الإتجاه، وإذا لم أكن أنا البربري فمن هو البربري إذن؟
سيادة العقيد
في المستشفى المذكور فوجئت أنكم زرتم جادو وألقيتم فيه خطابا عن البربر وقد هتفت لكم جماهير جادو طويلا بأنها عربية تعيش وعربية تموت وأنها عربية بأعلى صوت، هنيئا لها، لكن ما أذهلني هو حديثكم عن واحد شاعر إسمه سعيد عقل يقول أنه فينيقي وأنه يكتب بالحروف اللاتينية، لكن ما دخل شعبان في رمضان، الفينيقية لغة انقرضت من بلادها فينيقيا منذ أن احتل الآشوريين لبنان حيث لجأ الفينيقيون إلينا في شمال إفريقيا وحين هزم الرومان الفينيقيين انقرضت اللغة الفينيقية في بلاد تامازغا أو المغرب، هذا يعني أن الفينيقية انقرضت منذ 2000 عام في حين أن لغة تامازيغت أو البربرية بقيت حية إلى يومنا هذا وناطقوها يعدون بالملايين ثم أصبح لها كتابها وهم يعدون في هذه الساعة بالمئات وأنا أحد هؤلاء، فشخصي الضعيف المسمى سعيد المحروق لست سعيد عقل، أنا لم أدع إلى كتابة اللهجة الليبية رغم علمي أنها تحتوي على الآلاف من التعابير والمفردات وحتى قواعد اللغة البربرية، وما يقال عند مقارنة الفينيقية بالبربرية يقال عند المقارنة بين الفرعونية والبربرية، في كلتا الحالتين مقارنة لا معقولة إنها كالمقارنة بين الموت والحياة، اللغة الفرعونية أو المصرية القديمة لغة انقرضت قبل دخول العرب المسلمين إلى مصر، لقد وجد العرب أمامهم اللغة البونية أما الفرعونية فهذه انقرضت قبل ذلك بزمن طوال ولم يبق من الفرعونية سوى الحجارة الهامدة التي قد تمثل عظمة الحضارة المصرية في العصور المنسية. أما الآن فلم نسمع بحجر يتكلم، وحتى جهود علماء المصريات في قراءة وفك شفرة اللغة الهيروغليفية لم تسفر سوى عن قراءة كتابة غير منطوقة إذ أنه لو وجدت في مصر قرية واحدة تتكلم المصرية القديمة كما قلت مرة للكاتب: مولود معمري، لحلت هذه اللغة المصرية محل العربية في طرفة عين.
ثم من قال أن البربرية حكرا على جبل نفوسة أو هذه الجزر الناطقة بالبربرية هنا وهناك؟ أن ليبيا، وليبيا ليست هذه المحصورة بين الحدود التي أقامها الايطاليون والانجليز شرقا أو التي أقامها الترك والفرنسيون غربا وجنوبا، ليبيا التاريخية الممتدة من غرب وادي النيل في واحة الفرافرة ومستواها شرقا حتى أقصى جزيرة من جزر الكناري في تين آريف غربا، ومن الضفة الجنوبية للبحر المتوسط شمالا حتى زناكة أو IZNAGEN شمال السينغال وشمال بوكينا فاسو ، وجنوب مالي والنيجر وقسم من السودان جنوبا…هذه الأرض التي هي ثلاثة أرباع القارة الإفريقية هي موطن اللغة البربرية وثقافتها، وهي أرض واسعة الأفق مساحة ورحابة صدر وتسامحا مع جميع الثقافات الإنسانية. فما هي مسألة حزب البربر هذا وما سره؟
لم تشغلني الضجة هذه لإن جسدي نفسه ملآن ضجيجا وآلما، ثم أن مسألة كل الأحزاب بعيدة عني وإن كنت أشك أنها تقترب مني رغم أنفي، ولكن مادام الأمر لا يعنيني فلم أهتم بالضجة كثيرا خاصة وأنني نزيل مستشفى 11 يونيو لقطاع النفط وبمعرفة مسؤول مثل: محمد بالقاسم الزوي، الذي هو نفسه اتصل باللجنة الطبية للإيفاد وتقرر إيفادي عام 1981* إلى ألمانيا الغربية كما تدل على ذلك الأوراق المرفقة الرسمية.
5. بعد وصولي إلى ألمانيا جاءتني مكالمة تفيد أنني متهم في قضية البربر هذه، وأن إسمي في قائمة المتهمين المسجونين منذ حوالي سنة، ولقد قررت أن أعود فورا إلى طرابلس فاتصلت بموظف في المكتب الشعبي في بون إسمه: عبد الباسط البركي، وهو من رجال الأمن وأعرفه جيدا فقال إنه يعلم بذلك منذ وجودي في طرابلس، واستغربت كيف أن أحدا من رجال الأمن أثناء إقامتي في المستشفى المذكور لم يأتيني حتى يتسنى لي مواجهة التهمة التي لا أعرفها لكن الرجل المذكور قال لا داعي للرجوع، ثم ألححت مرة أخرى فقال أن العناية الطبية التي أتلقاها في ألمانيا لن أجد نصفها في طرابلس، لكن بعد أن وجدت العلاج عبارة عن تأهيل اتصلت ببعض الأصدقاء على أن أعالج في لينينغراد وفعلا أخبرني السيد: عبد الباسط البركي، أن برقية وصلت من طرابلس ليتم نقلي إلى "لينينغراد" وأخرى إلى "موسكو"، وقال لي إنه على اتصال مستمر بالمكتب الشعبي بموسكو وأن الرد سيأتي قريبا، لكن الرد لم يأت إلا في أواخر عام 1981 في برقية حددت موعدا هو خلال شهر فبراير 1983 وقد كان هذا شيئا غامضا بالنسبة لي إذ علي الانتظار في ألمانيا لمدة عام وشهرين آخرين دون علاج وطلبت شخصيا من المكتب الشعبي في ألمانيا لإرجاعي إلى طرابلس والانتظار بدلا من البقاء بعيدا عن أطفالي وزوجتي وهكذا رجعت إلى طرابلس في أواخر 1981 *حيث بقيت طريح الفراش منتظرا شيئين، أولا أن أقدم للمحاكمة حتى أعرف التهم الموجهة لي وثانيا انتظار موعد الإيفاد إلى موسكو.
ما أثار سخطي هو أنني أصبحت بعيدا عن كل حياة منذ مداهمتي في 21-02-1979 فكيف يزج باسمي في قضية كل ما أعرف عنها أن المتهمين فيها أدعوا الاعتقال عام 1980؟ ومادام إسمي مدرجا منذ ذلك التاريخ فلماذا لم يأتيني أحد ما لاستدعائي وإيداعي في السجن خاصة وأن الأمر بالنسبة لي لا يختلف سواء كنت في المستشفى أو في إحدى السجون المزدهرة بالنزلاء أو في إحدى المقابر العامرة.
هل الزج باسمي في حزب البربر هو تبرير لمداهمتي في 21-02-1979؟.
في أوان الموعد المقرر لي للحضور إلى موسكو أرسلت أحد الأصدقاء إلى مكتب اللجان الطبية في فبراير 1983 فوجد برقية جاءت من المكتب الشعبي في موسكو تفيد بأنه علي الحضور في يونيو من نفس العام لكن حين علم المكتب الصحي بوجودي في ليبيا- كانوا يظنون أنني لازلت في ألمانيا- فتطلب الأمر تفويضا ماليا جديدا عملا بقاعدة غريبة وهي أن المريض العائد لا بد له من تفويض جديد وهكذا فإن أمين الصحة يبدو أنه حفظ الملف، فتولى أمر إيفادي رئيس جمعية الصداقة الليبية المسؤول السيد: عمر الحامدي، لكن أثناء مدة الانتظار وبالذات في إحدى أيام عام 1983طلبت بالهاتف محاميا كنت قد وكلته في الدعوى المدنية ضد شركة ليبيا للتأمين عام 1980 أثناء إقامتي بمستشفى 11 يونيو للنفط، هذا المحامي هو: عبدالرحمن الجنزوري، الذي بادرت بسؤاله عن حكاية البربرية وقضيتها فقال لي أنني متهم غيابيا مع شخص آخر هو: يحيى عمرو، أما بالنسبة لي فقال، والعهدة عليه هي : أنني في حزب حسين آيت أحمد، أنني عضو في الأكاديمية البربرية في فرنسا، أنني عنصري، أنني أنظر للبربرية، أنني تناولت طعام الغذاء في زوارة عام 1979، أني ألفت قاموسا في اللغة البربرية، أنني سميت إبني وإبنتي أسماء بربرية….وهناك تهم أخرى لا أتذكرها لأنها لم توجه لي رغم حضوري في قلب طرابلس.
أليست هذه تهم تبريرية لعملية المداهمة التي أعقبت الملاحقة إثر كتابتي ذلك المقال الذي طـُلب مني كتابته وبعد مقابلتكم لي؟.
إنني أعرف كل شيء عن آيت أحمد رغم أنني لم أعرفه شخصيا قط، وأعرف كل شئ عن هذه "الأكاديمية البربرية" رغم أنني لست عضوا فيها، لقد فات كل شيء الأن، لكن هذا ليس نفيا لحماية المتهمين، ربما يعرف آيت أحمد وبالسعود محمد أعراب وهو المسؤول عن هذه الأكاديمية ليتبادلا الشتائم كالعادة، لماذا الأن ؟ المخابرات الليبية إن كانت هي التي وجهت لي هذه التهم فهي أغبى وأجهل مخابرات في الدنيا. لماذا؟ لن أقول لماذا، يكفي أن أقول أن آيت أحمد انتهى كبربري قبل ميلادي شخصيا هذا قبائلي فقط، ولقد أدت تهمة انتمائي لحزب آيت أحمد أن أعرف هوية هذا الشخص على التدقيق، هذا شخص معقد من حربه مع رفيقه بن بله، ولم يدرج البربرية في برنامجه وبرنامج حزبه إلا بعد مداهمتي، لقد أدرج المطالبة بالأمازيغية كلغة رسمية بعد مداهمتي، التهمة ربما توجه إلى آيت أحمد متأثرا بما أكتب علنا في صحفكم وليس لي، لقد سمعت أنه زاركم في السنة الماضية فلماذا لم تسألوه؟
أما "الأكاديمية البربرية" فلم تكن لي حاجة لأية أكاديمية بربرية لأنني أنا شخصيا أكاديمية بربرية، لكنكم في 18 أبريل 1985 تكلمتم عنها وقلتم أن فرنسا هي التي أقامت هذه الأكاديمية، ونيابة عن المسكين بالسعود محمد أعراب سأدافع هنا عنه وليس عني.
هذه الأكاديمية علمت عنها عن طريق مقالة لأحد رفاق بن بله هو: محمد حربي، صديق بن بله الذي أودع السجن بعد انقلاب بومدين وهذه المقالة قرأتها هنا في مجلة "جون إفريك" في 1978، لأن محمد آعراب أراد أن يحصل على دعم مادي من أحد أغنياء القبائل وكان هذا القبائلي عميل المخابرات الجزائرية والفرنسية في آن واحد وحينما هدده آعراب بالسعود بمسدس، كان أحد عملاء المخابرات الفرنسية بالمرصاد وتم القبض على محمد أعراب بالسعود وانتهى كل شيء، ولقد كان شيئا مدهشا من سيادتكم أن تذهبوا إلى جادو لتحاضروا على عمالة البربر لفرنسا في حين أن المخابرات الفرنسية هي التي دمرت صاحب الأكاديمية البربرية المزعومة التي كانت تعيش على التسول والمتبرعين من العمال الجزائريين.
فيما يخص العنصرية : من هو العنصري؟ بربري كتب ما يعتقد وتختمون حديثكم معه بالوعيد والتهديد : "كل واحد يدافع عن مصلحته"، وأنتم تملكون ليبيا وما فيها ثم تزيدون الخير خيرين : ملاحقة، مداهمة ، تصفية، ثم آيت أحمد والأكاديمية البربرية ثم ماذا؟ الطريق ملآى.
فيما يخص التنظير للبربرية: ليتني كنت منظرا للبربرية، هذا شرف لا أستحقه.
فيما يخص تسمية أبنائي..؟! لم يبق سوى إتهامي بالبربرية في ممارسة الجنس مع زوجتي !
هذه الاتهامات إن كانت صحيحة فهي
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ